سرقة قطاف المثقف العراقي

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
04/11/2008 06:00 AM
GMT



يستطيع أي كاتب اليوم أن يستلهم أفكاراً من هنا وهناك ويعيد صياغتها ليقول فيما بعد أنه لم يطّلع على شيء منها. لنلاحظ أن كثيرين لم يعودوا يستشهدون بمرجعية ما، ولا بأثر معروف، ولا بمؤلفٍ أو بكتابٍ معاصر أو سابق، حتى أن الحالة تبدو انفلاتاً مطبقاً، لكأن عمليات السطو الثقافي المقنّعة على النتاجات النقدية والإبداعية صارت قاعدة في الثقافة العراقية. لو احتاج محرّر تلفزيوني مادة لعمله فما عليه سوى العودة للأنترنيت ليسقط على الأفكار التي تعجبه من دون أن يحسب أنها قد تكون ثماراً لجهدٍ شخصيّ طويل. لو التقى شاعرٌ بترجمة أو مقطع جميل من قصيدة فما عليه سوى أن يعيد صياغته طالما أنه يعرف أن لا أحد بالضرورة سيقرأ متمعناً مُعيداً الأشياء إلى نصابها.

وفي هذه الحالة تبدو شريحة من الثقافة العراقية وكأنها لا تقيم اعتباراً (سنقول مجازفين احتراماً) لمفهومات جذرية في العمل الثقافيّ وعلى رأسها الأمانة وأخلاقيات المهنة الثقافية. وإذا كان صحيحاً أنها لا تقيم مثل هذا الاعتبار، فلا يتوجب علينا الشكوى من أن الآخرين في الثقافة والصحافة العربيتين، ينظرون بكل عين سوى عين الرضا، ويستبعدون، قليلاً وكثيراً، المثقف العراقي من الحلقات والندوات والدعوات واسعة الانتشار والبَرَكة. فمن لا يقيم اعتباراً لنفسه ومجايليه وأبناء ثقافته فلا يتوقع من الآخرين أن يفعلوا نيابة عنه.
لم يعدْ مجدياً التذكير بأن "التلاص" صار قاعدة ذهبية باسم "التناص". ولم يعد مفيداً التفكير أن من "يغترفون" أفكاراً من هنا وهنا أو يقدّمون ردوداً على أفكار هذا وذاك، لا يكلفون النفس حتى عناء تسميتهم، كأن بعضهم يظن أن المثقف العراقي محض "حائط واطئ" كما يُقال ببلاغةٍ في العامية العراقية يمكن الاستخفاف به، طالما أنه من دون سلطةٍ سوى كتاباته، وبلا جماعة حامية ومؤسسة تدافع عنه، وطالما أنهم لن يجنوا ربحاً منه في الآجال المنظورة.
التعميم هو الوجه الآخر للتعمية، فإن هذه الفوضى وهذه الاستلهامات المريبة من هنا وهناك وهذا الاستخدام العشوائي للمادة الثقافية من دون مرجعيات أو مصادر واضحة، تطرح من جديد مشكلة (القطيعة الثقافية) التي تشكّل مفصلاً في الوعي المحليّ المطمور: ففي الثقافة العراقية ثمة ميل شديد لنفي مطلق للآخر. ولقد شددنا على قضية (الجيل) العشريّ بوصفها التجلّي الأعلى للنفي. أما في السياسة ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة فلا توجد تراكمات بنيوية ولا إضافات مؤسساتية ولا بنى مُتراكبة متطورة جيلاً بعد جيل، إنما بدايات انقلابية تبدأ دائماً من الصفر: من إلغاء القوانين السابقة وحتى إحالة الأشخاص غير المرغوب بهم للتقاعد أو المنفى، مهما كانت درجة أهميتهم و إذا لم يتم هذا (النفي) بطروحات نظرية في عالم الأدب، فأنه يتم في عالم السياسة بانقلابات عسكرية دموية قطعية. وإذا لم يتم علناً فيتم بالتجاهل ليغدو تناسي (الآخر) قاعدة مرغوباً بها. هذا ما تعلمناه ونتعلمه من تجارب التاريخ القريب، الأدبي والسياسي.
من بين علائم هذا المرض تصير سوء الطويّة قرينة على النفي، حيث يقع تقديم تأويلات شكّاكة لطروحات مغنيات الحيّ البكّاءات، الشكّاءات، المنطويات منذ البداية على كل عيب. ويسمّى مدحُ المبدع العراقي من طرف ثقافته المحلية تملقاً في أسوأ الحالات، أو جهلاً بشروط الإبداع الحقيقي في أحسنها. القاعدة هي الذم وليس المدح، والاستثناءات مسموح بها طبعاً أيضاً. من يُمتدَح هو الصوت الإبداعي العربي البعيد هناك، لأنه على ما يبدو يمتلك سحراً غامضاً وأيّ سحر. نستطيع تقديم أمثلة عن مترجمين لا يرغبون بترجمة الإبداع العراقي، ونقاد لا يريدون الكتابة عنه، ولكننا لن نفعل.
في هذا السياق الموصوف هنا بشيء من المُبالغة والتضخيم المتعمّد، يغدو شرعياً سرقة المثقف العراقي جهاراً نهاراً، من طرف ثقافته المحلية أو من لدن الكتبة واالكتاب العرب. نقول بوضوح: عندما لا تنشغل ثقافة ما بنفسها بجديّة وصرامة لسبب من الأسباب، لن يحسب أحدٌ لها ولمثقفيها أي حساب. لهذا السبب وقعتْ عربياً وعراقياً سرقة بعض أبداعات مثقفينا المهمة وعُزيتْ لغيرهم. لا أحد يود القول مثلاً أن مجلة أيروتيكية تستعد لإصدارها شاعرة لبنانية هي محض نسخة من عمل دؤوب ظل الشاعر جمال جمعة يشتغل عليه طوال سنوات. ولن يقول أحد إن مجموعة شعرية صادرة للتوّ في الإمارات عنوانها "القصيدة المستحيلة" تأخذ بصراحة عنوان مقالة قديمة لنا عن مقتل الطفل محمد الدرة، ولن يقول أحد إن مشرفاً على مسابقة في النقد التشكيلي في الشارقة، لم يرغب البتة بالذهاب إلى البريد لتسلم مخطوطتين ضخمتين مشاركتين إحداهما لشوكت الربيعي، ومنها سرقة مؤلِّفٍ سعوديّ لعمل باقر ياسين "قصائد قتلت أصحابها" الطبعة الأولى 1999 بالعنوان نفسه كطبعة ثانية عام 2002، واغتراف الغذامي عن الفحولة وغيرها من "أسطورة الأدب الرفيع" لعلي الوردي، وركون شريحة عريضة من المؤلفين العرب إلى كتاب جواد علي "المُفصَّل" عند تناولهم العصر الجاهلي دون الاشارة إليه. لن ينتبه أحد أن قصيدة "أيتها الوردة" كتبها شاعر عراقي شاب مؤخراً تنسج على منوال لغة "الوردة" لريلكه، والأمثلة جد كثيرة ومُقلقة، وهي كلها تدلّ على قضية رئيسية: إن سرقات حاذقة مثل هذه لا يمكن أن تتمّ بشروط ثقافية عراقية صحيّة، أولها احترام الثقافة في بلدنا لمبدعيها ومنتوجاتهم المعرفية التي هي ليست مشاعاً. هنا يتوجب الانتباه أن "حقوق الملكية الفكرية" التي وقّعَ العراقُ كما نعتقد على عهدها الدوليّ، لا تمسّ فقط المخترعات العلمية، إنما النتاج الثقافي أيضاً وبشكل رئيسيّ. إن الفكرة- اللاواعية في الغالب - التي تحسب أن النتاجات الفكرية حقل مشاع للجميع يُستطاع الاغتراف منه واهية واهمة. إننا نقدّم هنا بعض الحُجَج بهذا الشأن من أجل علاقة نبيلة، رفيعة المستوى بين مثقفي العراق أتفسهم وبينهم وبين أقرانهم العرب.